سهيلة عبد الباعث الترجمان
741
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أصناف البشر وأجناسهم عند الجيلي : ولقد صنّف الجيلي الناس في مللهم ونحلهم إلى أصناف منهم من عبد اللّه في شخص آدم ، ومنهم من عبد شخص آدم وهم الوثنية ، ومنهم الطبيعيون الذين عبدوا الطبائع الأربعة ، ومنهم من عبد الكواكب وهناك من عبد النور والظلمة وهم الثانوية ، ومنهم عبّاد النار وهم المجوس ، وهناك الدهرية ثم هناك أهل الكتاب على تفرّع عباداتهم من براهمة ويهود ونصارى ومسلمون . وكل هؤلاء متجهون بالعبادة إلى اللّه بشتى الطرق التي ابتدعوها حسب توجهات القلب وقبوله للخير أو الشر ، " فكل هذه الطوائف عابدون للّه تعالى كما ينبغي أن يعبد ، لأنه خلقهم لنفسه لا لهم ، فهم له كما يستحقه " « 1 » وهذا مصداق لقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » فالكل عابد له بكل جارحة فيه ، إنما على قدر ما تجلّت له الحقيقة الإلهية بإسمائها وصفاتها . ولقد تعددت الأهواء وافترقت الأمم فيما بينها إلى ملل ونحل متفاوتة متباينة في مظاهر عبادتها حسب تجلي الصور وظهورها لهم ، ويرى الجيلي أن هذا الافتراق بدأ في ذرية آدم بعد وفاته : " فذهبت طائفة ممن كان يؤمن بقرب آدم عليه السلام من اللّه تعالى إلى أن يصوّر شخصا من حجر على صفة آدم ليحفظ حرمته بالخدمة له ، وليقيم ناموس المحبة بمشاهدة شخصه على الدوام لعل ذلك يكون مقربا إلى اللّه تعالى . . . ثم تبعتها طائفة من بعدها فضلّوا في الخدمة ، فعبدوا الصورة نفسها ، فهؤلاء هم عبدة الأوثان ، ثم ذهبت طائفة أخرى إلى القياس بعقولهم وقالوا الأولى أن نعبد الطبائع الأربعة لأنها أصل الوجود إذ العالم مركب من حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة ، فعبادة الأصل أولى من عبادة الفرع . . . فعبدوا الطبائع وهؤلاء هم الطبيعيون ، ثم ذهبت طائفة إلى عبادة الكواكب السبعة فقالوا إن الحرارة والبرودة . . . ليس شيء منها في نفسه له حركة اختيار فلا فائدة من عبادتها ، والأولى عبادة الكواكب السبعة . . . لأن كل واحد من هؤلاء مستقل بنفسه سائر في فلكه ، يتحرك بحركة مؤثرة في الوجود . . . فالأولى عبادة من له التصرف ، فعبدوا الكواكب وهؤلاء هم الفلاسفة ، وذهبت طائفة إلى عبادة
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 82 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 ك .